“الجلوة”.. عقوبة جماعية تنتهك حقوق المواطنين في السويداء

تسببت جريمة قتل وقعت قبل شهرين، بتشريد 31 عائلة من قرية الدارة في ريف السويداء الغربي، وحرمانهم من حقهم في السكن، تطبيقاً لعرف “الجلوة”.


في شهر أيار الماضي، نشب نزاع بين مجموعة شبان في قرية الدارة، التي تقطنها عشائر من بدو السويداء. تطوى النزاع لاشتباكات مسلحة بين عائلتين من نفس العشيرة، قُتل خلاله محمد علي العنيزي، واستعر العنف مع مقتله.

فقد هاجم أقارب القتيل منازل عائلة المتهم بقتله، وأحرقوا أربعة منها على الأقل. ولولا تدخل وساطات عشائرية والسماح لأقارب القتيل بمغادرة القرية، لحصلت مجزرة كبيرة، وفق رواية أحد سكان القرية في اتصال مع السويداء 24.


طبقت عائلة المتهم بالجريمة اتفاقاً عشائرياً يقضي برحيلها خارج القرية. لكن الملفت، أن عرف “الجلوة” كان تطبيقه مشدداً، وشمل كل من يرتبط مع المتهم بصلة قرابة، من الدرجات الأولى والثانية والثالثة. ورحل 31 عائلة من 28 منزلاً، لتتوزع في مناطق متفرقة من درعا والسويداء.


مصدر مطلع في قرية الدارة قال للسويداء 24، إن أهل القتيل يطالبون بتسليم 14 شاباً من عائلة المتهم، إلى الفيلق الخامس. ويبدو مطلب أهل المغدور مجحفاً، فالقاتل شخص واحد، كما أن الفيلق الخامس ليس جهة رسمية أو قضائية حتى يتم الاحتكام له في مثل هذه النزاعات.


عرف متوارث عبر الأجيال


مصدر من وجهاء عشائر السويداء، قال في اتصال مع السويداء 24، أن “الجلوة” عرف عشائري متوارث عبر الأجيال،
ينص على ابتعاد عشيرة الجاني عن عشيرة المجني عليه، بكامل رجالها وحلالها، على أن تلتجئ إلى عشيرة أخرى من خارج عشائر المنطقة، لتحتمي بها، ويجب أت تكون تلك مهابة الجانب وبعيدة عن عشيرة المجني عليه، حتى يتم الصلح.


وأضاف المصدر: فلا تصح جلوة عشائر جبل العرب إلّا اذا كانت عند عشائر ريف دمشق أو حوران أو البادية الشرقية، وذلك ليأمن أقارب وذوي الجاني من أخذ الثأر منهم من قبل خصومهم. وكانت العادة تنص على أن يجلو أقارب الجاني حتى درجة القرابة الخامسة أو ما يسمى خامس جد إذا قبلوا خصومهم بذلك.


لكن المصدر أكد أن تشديد العرف كان قبل عشرات السنوات، عندما كانت العشائر رحلاً ويسهل التنقل، “أما في وقتنا الحالي فقد اجتمع شيوخ ووجهاء وأعيان العشائر في محافظة السويداء، وأقروا بالإجماع أن الجلوة لا تتوجب إلّا على الجاني وأهله وإخوته وأبنائه بالتحديد”.


وأضاف أن طبيعة الحياة وتملك أبناء العشائر الأراضي والأملاك، وانخراطهم بالزراعة، إضافة إلى وجود نسبة كبيرة منهم من المثقفين والمتعلمين وفي الوظائف الحكومية، دفع وجهاء العشائر في السويداء للاتفاق على تخفيف شروط الجلوة، لتشمل الجاني وأقاربه من الدرجة الأولى فقط.


انتهاك لأبسط حقوق المواطنين


بحسب مختص قانوني، فإن عرف الجلوة يعد انتهاكاً لحقوق السكن، وهو شكل من أشكال العقوبات الجماعية التعسفية، التي تتعارض مع مبادئ سيادة القانون. وأضاف أن التشدد في تطبيق العرف، هي عودة إلى الوراء أكثر من مئة سنة، أي عودة إلى عصر ما قبل الدولة.


وأضاف أن عرف الجلوة ينتهك أبسط حقوق المواطن المكفولة بالدستور، مشيراً إلى المتغيرات الحياتية اليوم، يجب أن تقيد من التشدد بهذا العرف، فالفاعل بما فعل، ونمط العلاقات الاجتماعية اليوم تغيّر، لذا من غير المنطقي ترحيل كل أقارب القاتل.


ويعتقد المصدر، أن غياب القانون، وتراخي اجهزة الدولة، لا يجب أن يبرر هذا النوع من العقوبات الجماعية، مشيراً إلى التشدد في تطبيق الجلوة مسألة خطيرة، يتوجب البحث عن حلول لها، “أضعف الإيمان أن يتم تفعيل الاتفاق العشائري في السويداء بترحيل القاتل وأقاربه من الدرجة الأولى فقط، إلى حين تعافي الدولة، حتى لا نعود إلى حروب البسوس وداحس والغبراء”.


غياب القانون أساس المشكلة


تحكم الأنماط العشائرية والقبلية والقروية، الكثير من المجتمعات السورية، إذ لا يقتصر عرف الجلوة على عشائر البدو، فحتى العائلات الدرزية في السويداء كانت تطبق هذا العرف قبل عشرات السنين عند وقوع القتل. لكن تطبيقه تراجع بشكل ملحوظ، لأسباب اجتماعية واقتصادية مختلفة.


بقي هذا العرف متوارثاً في بعض المجتمعات، خلال فترة الاستقرار الأمني، أي قبل العام 2011، وذلك لأسباب عديدة منها طول إجراءات التقاضي، وفشل الدولة في دمج المجتمعات العشائرية بالحياة المدنية، وعدم الاهتمام بهذه المجتمعات من ناحية التعليم والخدمات العامة.


بعد العام 2011، ومع انتفاء الدور الحمائي للدولة، عاد اللجوء إلى هذا العرف، وتشديده أيضاً كما حصل في حادثة قرية الدارة. فبحسب أحد أبناء العشائر، يساهم تطبيق العرف اليوم بتفادي جرائم قتل كثيرة، حتى يحصل الصلح بين المتخاصمين.


ويعتبر المصدر، أن غياب القانون هو أساس المشكلة، فهو يعزز العودة إلى الأحكام والأعراف العشائرية، كونها البديل الوحيد المتاح عن غياب الدولة. و”لولا وجود هذه الأعراف كبديل عن القانون، لكانت جرائم القتل الثأرية تتكرر كل ساعة”.


يذكر أن تعطيل القضاء والقانون في محافظة السويداء، كما في غالبية المحافظات السورية، تسبب بلجوء الناس إلى القضاء العشائري، الذي يعتمد على أعراف وتقاليد وعادات متوارثة. فالأمر لا يتوقف عند الجلوة، ولا يقتصر على عشائر البدو، إذ أن كل المجتمعات اليوم عادت بشكل أو بآخر لعهود مضت، من تطبيق أعراف وتقاليد، تبدو الحل الوحيد المتاح، أمام هذا الواقع.