تحقيق: أزمة حادة في توزيع مخصصات التدفئة للسويداء

مع بداية الأجواء الباردة في محافظة السويداء، لم تتجاوز نسبة توزيع الحصة الأولى من المحروقات المخصصة للتدفئة، 46% خلال 80 يوماً من عملية التوزيع. وإن استمر التوزيع على هذه الوتيرة، فلن ينتهي قبل ثلاثة شهور.

وزير النفط رفض زيادة مخصصات السويداء

أعلن محافظ السويداء، خلال اجتماعه الأخير مع مجلس المحافظة، أنه رفع كتاباً لمجلس الوزراء لزيادة كميات مازوت التدفئة، وقال إن المجلس وافق على رفع كمية مازوت التدفئة “وفق معايير يتم العمل عليها حالياً وفي حال اعتمادها سيتم توزيع كمية 200 ليتر لكل أسرة”.

لكن مصادر خاصة أفادت للسويداء 24، أن وزير النفط في الحكومة، رفض طلب محافظ السويداء بزيادة مخصصات المحروقات الواردة إلى المحافظة. وتبدو المعضلة كبيرة لتوزيع الدفعة الأولى البالغة 50 ليتر، فعلى هذه الوتيرة من التوزيع، تحتاج المحافظة سنتين كاملتين لتوزيع 200 ليتر.

قطاع النقل يستنزف مخصصات المحافظة

اقترح محافظ السويداء تخفيض مخصصات وسائل النقل العامة بنسبة 40% خلال الفترة الراهنة، لتسريع وتيرة توزيع مخصصات التدفئة. اقتراح المحافظ قوبل بتهديد من السائقين، بالتصعيد والإضراب وقطع الطرقات، رافضين بأي شكل من الاشكال فكرة تخفيض مخصصاتهم.

ويبلغ عدد وسائل النقل العاملة على الخطوط الداخلية في محافظة السويداء، حوالي 800 آلية، حسب مصدر في المرور، وتقدّر حصة وسيلة النقل العاملة على الخطوط الداخلية يومياً بين 35 إلى 50 ليتر مازوت، بحسب عدد الكيلو مترات على خط عملها. ناهيك عن وسائل النقل العاملة على الخطوط الخارجية التي يقدر عددها بحوالي 500 آلية، فضلاً عن مركبات نقل البضائع.

ويستنزف قطاع النقل نسبة تتراوح بين 50% إلى 65% يومياً من كامل مخصصات المحافظة من المحروقات، بحسب جداول التوزيع. ويعدّ هذا القطاع، بحسب موظف في التموين، المصدر الأكبر للمحروقات المنتشرة في السوق السوداء.

المصدر أشار إلى أن الكثير من سائقي النقل رفضوا الالتزام بآلية التعقّب GBS التي فرضتها الحكومة في سوريا، لمراقبة عمل وسائل النقل، وتوزيع الكميات عليها وفقاً لعملها. ولفت إلى أن معظم السائقين يعملون مرة واحدة باليوم، ويبيعون أكثر من 50% من مخصصاتهم للسوق السوداء.

حصة المحافظة واحتياجاتها

تبلغ كامل مخصصات المحروقات الواردة إلى السويداء وسطياً قرابة 240 ألف ليتر كل يوم، موزعة على 10 طلبات تقسم إلى 20 محطة، بمعدل 12 ألف ليتر للمحطة الواحدة، بحسب الجداول اليومية الصادرة عن مديرية المحروقات.

ومن خلال تتبع الجداول، يمكن ملاحظة كيفية توزيع المخصصات اليومية، فمنها ما يوزع للقطاع العام من مشافي ودوائر حكومية، وللأفران، ومؤسسة المياه. أما القسم الأكبر من المخصصات، يذهب إلى قطّاع النقل، لتكون مخصصات التدفئة والزراعة في آخر الأولويات.

ويقدر عدد البطاقات الأسرية في محافظة السويداء، بحوالي 120 ألف بطاقة، بحسب مصدر خاص، وبالتالي فإن المحافظة تحتاج إلى 6 ملايين ليتر، للدفعة الأولى من التدفئة، البالغة 50 ليتر مازوت لكل بطاقة أسرية، على السعر المدعوم.

المصدر أشار إلى أن الكميات الموزعة حتى اليوم، لم تتجاوز 3 ملايين ليتر، ما يعني وجود أكثر من 60 ألف أسرة تنتظر توزيع حصتها. هذه الحصة التي لا تقي برد الشتاء القارس في السويداء، ويستهلكها المنزل خلال 10 أيام.

نصف سنة لتوزيع الدور الأول

موظف في المحروقات، قال للسويداء 24 إن المشكلة الرئيسية تكمن في نقص مخصصات المحافظة التي تحددها الحكومة، فمن خلال الأرقام، تحتاج السويداء إلى 200 ألف ليتر يومياً لإنهاء توزيع الدفعة الأولى خلال شهر واحد. والمخصصات اليومية لكافة القطاعات في المحافظة بما فيها الأفران والمشافي والنقل والصناعي، هي 240 ألف ليتر.

وأضاف أن توزيع 46% من الدور الأول استغرق أكثر من 80 يوماً، “لذا إن استمر الوضع على حاله دون حلول واقعية، نحتاج 160 يوماً لإنهاء توزيع دفعة 50 ليتر فقط”.

وأشار المصدر إلى أن مسؤولي المحافظة ومديرية المحروقات وضعوا خطّة لتوزيع الكميات المتاحة الواردة، من خلال الأخذ بعين الاعتبار، المناطق الأكثر برودة. كما اقترح المحافظ حلولاً إسعافية ومؤقتة لتسريع وتيرة التوزيع، لكن لم تسر الأمور كما يتمنى.

السوق السوداء تزدهر

يبلغ سعر ليتر المازوت المدعوم الذي توزعه الحكومة 2000 ليرة، فيما تتوفر المادة بكميات غير محدودة في السوق السوداء، ولكن السعر أضعاف مضاعفة، إذ تبلغ قيمة الليتر الواحد 13000 ليرة. وبالتالي فإن راتب الموظف الحكومي شهرياً لا يشتري له أكثر من 15 ليتر من السوق السوداء.

ولا يقتصر الهدر في مادة المازوت على قطّاع النقل، فحتى مؤسسة المياه والأفران والمنشآت الصناعية ومحطات الوقود ومختلف القطاعات الأخرى، لها طُرقها وأساليبها في بيع جزء من مخصصاتها إلى السوق السوداء. تجارة رابحة ومضمونة وتحقق أرباحاً خيالية، لكنها تحرم عشرات آلاف الأسر من حقها في التدفئة، وآلاف الفلاحين من حقهم في الزراعة.

آليات وشبكات فساد معقدة في كافة المفاصل تقف وراء السوق السوداء. صحيح أن قلّة الكميات الواردة إلى السويداء أساس المشكلة، لكن لو توفرت إدارة جيدة لهذا الملف، يمكن تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء، وفق ما أفاد موظف سابق في المحروقات.

“حتى مؤسسة المياه لديها هدر في المحروقات”، يضيف المصدر، وقد اقترح محافظ السويداء مؤخراً تركيب عدادات مراقبة لآليات المؤسسة ومولداتها الكهربائية، لمراقبة كميات المحروقات المستهلكة، وتحديد مخصصات المؤسسة وفقاً لهذه الكميات.

كل ذلك، ولا يبدو في جعبة المحافظ إلّا الاقتراحات، والمشكلة أكبر من كل الاقتراحات، فالدولة اليوم بمؤسساتها ليست فقط شريكاً بالفساد، بل لاعباً رئيسياً فيه، فضلاً عن وجودها الشكلي، وعجزها عن تطبيق القرارات، وانسداد الآفاق لحلول في المدى المنظور.